يرى الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف أن الاتفاق الذي توصلت إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب مع إيران لا يمكن اعتباره انتصارًا سياسيًا أو دبلوماسيًا لواشنطن، بل جاء نتيجة مباشرة لفشل الحرب في تحقيق أهدافها. ويؤكد أن الحديث عن "استسلام إيراني غير مشروط" الذي روّج له ترامب في بداية المواجهة لا ينسجم مع بنود الاتفاق المعلنة، بل إن التفاهم الجديد يبدو أقرب إلى تنازل أمريكي فرضته الوقائع الميدانية والاقتصادية.

 

وأشار كريستوف، في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، إلى أن عددًا من الجمهوريين والمحافظين المؤيدين للحرب انتقدوا الاتفاق بشدة، معتبرين أنه منح إيران مكاسب كبيرة دون مقابل حقيقي. واستشهد بتصريحات السناتور تيد كروز الذي حذر من ضخ مليارات الدولارات في دولة يعتبرها خصمًا للولايات المتحدة، إلى جانب انتقادات أخرى وصفت الاتفاق بأنه أحد أسوأ أخطاء السياسة الخارجية الأمريكية خلال العقود الأخيرة.

 

الاتفاق يمنح طهران مكاسب اقتصادية واستراتيجية

 

وبحسب الكاتب، فإن الاتفاق يتضمن حزمة من المكاسب المهمة لإيران، أبرزها الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى إنشاء صندوق تصل قيمته إلى 300 مليار دولار للمساهمة في إعادة إعمار البلاد خلال المراحل اللاحقة.

 

كما يرى أن الاتفاق يفتح الباب أمام دور إيراني أكبر في إدارة حركة الملاحة داخل مضيق هرمز، مع احتمالية فرض رسوم على السفن العابرة بعد انتهاء الفترة الانتقالية المحددة بستين يومًا، وهو ما يمنح طهران ورقة نفوذ إضافية في أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم.

 

وفي هذا السياق، وصف السناتور الجمهوري بيل كاسيدي الاتفاق بأنه "أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عقود"، غير أن كريستوف يرى أن التركيز على الاتفاق وحده يتجاهل أصل المشكلة، والمتمثل في قرار خوض الحرب منذ البداية.

 

الخطأ لم يكن في إنهاء الحرب بل في إشعالها

 

ويؤكد الكاتب أن ترامب كان محقًا في التراجع عن مواصلة الحرب بعدما أدرك أن الخيارات المتاحة أمامه أصبحت محدودة للغاية، وأن استمرار العمليات العسكرية كان سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية، فضلًا عن انعكاساته السلبية على الاقتصاد العالمي وعلى فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة.

 

ويستشهد بتصريحات ترامب التي قال فيها إن استمرار الحرب كان سيعني إلقاء المزيد من القنابل لأسابيع أو حتى سنوات، مع بقاء مضيق هرمز مغلقًا وما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة.

 

ومن وجهة نظر كريستوف، فإن النتيجة النهائية للحرب أظهرت أن إيران خرجت أكثر قوة مما كانت عليه قبل اندلاعها، وهو ما انعكس مباشرة على مسار المفاوضات وشروط الاتفاق. ويضيف أن ترامب حاول تأخير الوصول إلى هذه النتيجة قدر الإمكان لأنه كان يدرك أن أي اتفاق نهائي سيبدو محرجًا سياسيًا، إلا أن فشل الحرب حرمه من أي بديل أفضل.

 

الاتفاق النووي القديم كان فرصة ضائعة

 

ويعيد الكاتب جذور الأزمة إلى قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما عام 2015، معتبرًا أن ذلك الاتفاق كان يوفر إطارًا عمليًا للحد من البرنامج النووي الإيراني.

 

ويشير إلى أن إيران وافقت حينها على تقليص عمليات التخصيب، وتصدير جزء كبير من مخزونها من اليورانيوم المخصب، والسماح بعمليات تفتيش دولية واسعة النطاق. إلا أن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عارضا الاتفاق بشدة واعتبراه غير كافٍ لتحقيق الأهداف المطلوبة.

 

ويرى كريستوف أن تمزيق الاتفاق قبل سنوات دفع إيران لاحقًا إلى توسيع برنامجها النووي تدريجيًا، وصولًا إلى الأزمة الحالية، مؤكدًا أن واشنطن كانت تمتلك فرصة أفضل للتوصل إلى تسوية أقل كلفة قبل اندلاع الحرب، لكنها فضّلت الخيار العسكري دون امتلاك استراتيجية خروج واضحة.

 

تحذير من تكرار أخطاء التاريخ

 

ويعتبر الكاتب أن الدرس الأبرز من هذه التجربة يتمثل في ضرورة تجنب الحروب غير الضرورية والاعتماد بصورة أكبر على الدبلوماسية لحل النزاعات الدولية. ويرى أن أكثر الأصوات إصرارًا على تدمير إيران كانت، من حيث النتيجة، سببًا في تعزيز موقعها السياسي والإقليمي.

 

ويستحضر في هذا السياق دروسًا تاريخية قديمة تمتد إلى ملحمة الإلياذة، مشيرًا إلى أن التاريخ مليء بأمثلة الحروب التي بدأت بأهداف طموحة وانتهت بنتائج معاكسة لما خُطط لها.

 

كما يحذر من أن الاتفاق الحالي لا يحل الإشكاليات الأساسية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بل يؤجلها إلى جولات تفاوضية جديدة قد تشهد مزيدًا من المماطلة والتعقيد.

 

مخاوف من سباق نووي وتكلفة باهظة للحرب

 

ويعرب كريستوف عن خشيته من أن تكون الحرب قد دفعت إيران إلى الاقتناع أكثر بضرورة امتلاك سلاح نووي باعتباره الضمانة الوحيدة لردع خصومها، على غرار النموذج الذي تبنته كوريا الشمالية.

 

كما يشير إلى احتمال أن يفقد ترامب اهتمامه بالملف مع مرور الوقت، الأمر الذي قد يترك الأزمة مفتوحة دون حل جذري، بينما يواصل الحرس الثوري الإيراني تعزيز نفوذه داخل البلاد والمنطقة.

 

وعلى الصعيد المالي، نقل الكاتب عن ليندا بيلمز تقديرات تشير إلى أن التكلفة الإجمالية للحرب قد تصل إلى تريليون دولار، بعد احتساب نفقات العمليات العسكرية وإصلاح القواعد واستبدال الذخائر ورعاية الجنود المصابين والمحاربين القدامى.

 

الإيرانيون العاديون كانوا أكبر الخاسرين

 

ويختتم كريستوف مقاله بالقول إن أكبر المتضررين من هذه الحرب هم المواطنون الإيرانيون العاديون، الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة العقوبات والحرب وسندان نظام أكثر تشددًا وقمعًا.

 

ويشير إلى أن الوعود الأمريكية السابقة بدعم الشعب الإيراني لم تتحقق، بل إن بعض السياسات الأخيرة عكست تجاهلًا لمعاناتهم، ما أدى إلى تراجع آمال التغيير والإصلاح داخل إيران.

 

ويخلص الكاتب إلى أن انتقاد الاتفاق الحالي قد يكون مبررًا من وجهة نظر الكثيرين، لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في قرار الانسحاب من الحرب، بل في قرار خوضها منذ البداية. ويؤكد أن التاريخ يبعث برسالة واضحة مفادها أن الوعود بالنصر السريع والحروب السهلة غالبًا ما تنتهي بنتائج باهظة الثمن، وهو درس ينبغي استحضاره كلما ارتفعت أصوات الداعين إلى المواجهات العسكرية.